من كتاب " السحاب الأحمر"
للمؤلف : مصطفى صادق الرافعي ـ رحمه الله ـ
كانت نفسه العالية كالنجمة وهبت قوة النزول إلى الأرض . وكان حبيبا لو انقسمت
روحي في جسمين لكان جسمها الثاني ، كان دائما كالذي يشعر أنه ميت ، وتـــارك
ميراث مودته ، فلا أعرف أني رأيت منه إلا أحسن ما فيه ، وكأنما كان يضــــاعف
حياتي بحياته ويجعلني معه إنسانين .
وكان له دين غض كعهد الدين بأيام الوحي ، لا تزال تحته رقة قلب المؤمن ، وفوقه
رقة جناح الملك ، يخالط نوره القلوب ، وكان حييا صريح الحق ، ترى صدق نيتـــه
في وجهه كما يريك الحق صدق فكره في لسانه، ساميا في مروءته ليس لــها أرض
تسفل عنــــــدها ، وإنما هي إلى وجه الله ، فلا تزال ترتفع . ودودا لا يعرف البغض،
محبا لا يتسع للحقد ، ألوفا لا يسر الموجدة على أحد، وكان رحيب الصدر كأن الله زاد
فيه سعة الأعوام التي سينتقصها من حياته ، ففي قلبه قوة عمرين وكان طيب النفس،
فكأن الله لم يمد في عمره طويلا لأنه نفى الأيام الهالكة التي يكون فيها الإنسان معنى
من معاني الموتـ ، آه لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسئ ، ولو عرف
الحب أحد لما عرف كيف يسكت عن كلمة تسر ، ولن يكون الصديق صديقا إلا إذا عرف
لك الحق ، وعرفت له الحب، لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحــــــبك
الشيطان لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته ، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك ويماسحك
متى كان فيك طعم العسل ؛ لأن فيه روح ذبابة ، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم
الحب كأنه وطن جديد ، وقد نفيت نفى المبعدين ، ولا ذلك الصاحب الذي يكون لك كجلدة
الوجه تحمر وتصفر ، لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها . فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم
أبدا إلا على أطراف مصائبك ، كأنهم هناك حدود تعرف بها من أين تبتدئ المصيبة لا من
أين تبتدئ الصداقة ، ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل
فيها ، وإذا غاب أحسست أن جزءا منك ليس فيك ، فسائرك يحن إليك ، فإذا أصبح من
ماضيك بعد أن كان من حاضرك ، وإذا تحول عنك ليصلك بغيرالمحدود كما وصلك بالمحدود،
وإذا مات .. يومئذ لا تقول : إنه مات لك ميت ، بل مات فيك ميت ، ذلك هو الصديق .