![]() |
في رحاب ايه
يقول سبحانه : ( كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) ) القيامة . يعظ تعالى عباده بذكر حال المحتضر عند السياق ، وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب، ويطلب كل وسيلة وسبب، يظن أن يحصل به الشفاء والراحة، ولهذا قال: ( وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ) أي: من يرقيه من الرقية لأنهم انقطعت آمالهم من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب الإلهية . ولكن القضاء والقدر، إذا حتم وجاء فلا مرد له، ( وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ) للدنيا. ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها بفعالها. (1) وبهذا الإسناد، عن ابن عباس في قوله: ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) قال: التفت عليه الدنيا والآخرة. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) يقول: آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله. وقال عكرمة: ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) هما ساقاك إذا التفتا . وفي رواية عنه: ماتت رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليها جوالا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: ( وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.(2) ماأعظمه من مشهد فهل أعددنا لهذا اليوم هل استشعرنا الموقف الذي سنمر به يوماً من الأيام لامحالة |
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } يخبر تعالى أن الساعة وهي القيامة اقتربت وآن أوانها، وحان وقت مجيئها، ومع ذلك، فهؤلاء المكذبون لم يزالوا مكذبين بها، غير مستعدين لنزولها، ويريهم الله من الآيات العظيمة الدالة على وقوعها ما يؤمن على مثله البشر، فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على [صحة ما جاء به و] صدقه، أشار صلى الله عليه وسلم إلى القمر بإذن الله تعالى، فانشق فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية الكبرى الكائنة في العالم العلوي، التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل. فشاهدوا أمرا ما رأوا مثله، بل ولم يسمعوا أنه جرى لأحد من المرسلين قبله نظيره، فانبهروا لذلك، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، ولم يرد الله بهم خيرا، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم، وقالوا: سحرنا محمد، ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من قدم إليكم من السفر، فإنه وإن قدر على سحركم، لا يقدر أن يسحر من ليس مشاهدا مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبرهم بوقوع ذلك، فقالوا: { سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } سحرنا محمد وسحر غيرنا، وهذا من البهت، الذي لا يروج إلا على أسفه الخلق وأضلهم عن الهدى والعقل، وهذا ليس إنكارا منهم لهذه الآية وحدها، بل كل آية تأتيهم، فإنهم مستعدون لمقابلتها بالباطل والرد لها، ولهذا قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } ولم يعد الضمير على انشقاق القمر فلم يقل: وإن يروها بل قال: { وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا } وليس قصدهم اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى، ولهذا قال: { وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } كقوله تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } فإنه لو كان قصدهم اتباع الهدى، لآمنوا قطعا، واتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع، ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } أي: إلى الآن، لم يبلغ الأمر غايته ومنتهاه، وسيصير الأمر إلى آخره، فالمصدق يتقلب في جنات النعيم، ومغفرة الله ورضوانه، والمكذب يتقلب في سخط الله وعذابه، خالدا مخلدا أبدا |
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْت كان أهل الجاهلية قبل البعثة، بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يرابون، يبيعون المتاع من أرض أو إبل أو غير ذلك بالثمن إلى أجل، فإذا حل الأجل وصار المدين معسراً قالوا له: إما أن تعطينا حقنا، وإما أن تُربي، إما أن تقضي وإما أن تُربي، المعنى إما أن تعطينا حقنا الآن أو نزيد عليك في المال ونؤخر الأجل، نفسح لك في الأجل، فإن كان عنده مال سلم لهم وإلا رضي بهذا، فإذا كانت القيمة مثلاً مائة ريال، قالوا نؤجلك أيضاً ستة أشهر أو عشرة أشهر تكون المائة مائة وعشرين مائة وثلاثين هذه الزيادة في مقابل الأجل الجديد، وهذا معنى: إما أن تربي وإما أن تقضي، تُربي يعني تقبل الزيادة، تعطينا الزيادة وهي الربا، وإما أن تقضينا حقنا الآن، فلما جاء الله بالإسلام نهاهم عن هذا، وخاطبهم النبي في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام، وأخبرهم أن الربا موضوع، وأن لكل واحد رأس ماله فقط، وأنزل الله جل وعلا هذه الآيات، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة:278-279]، فأمرهم سبحانه أن يذروا أي يتركوا ما بقي من الربا لهم في ذمم الناس، ويأخذوا رأس المال، فإذا كانت السلعة بمائة وأمهلوه وزادوا عليه عشرين يتركوا له العشرين، أو ثلاثين يتركوا الثلاثين يأخذوا رأس المال فقط، والزيادة يتركونها، هذا معنى (وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)، وإذا كانوا قد قبضوا رأس المال، وبقي الربا، يتركونه، ما يأخذون الربا، يكفيهم رأس المال، ثم قال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا)، يعني فإن لم تدعوا الربا، (فَأْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، يعني فاعلموا بحرب، يعني اعلموا أنكم محاربون لله ورسوله، وهذا وعيد عظيم لم يأت مثله بشيء من المعاصي، وهو يدل على عظم جريمة الربا، وأنها جريمة عظيمة وكبيرة عظيمة، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: (هم سواء)، فالربا من أقبح الكبائر، وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا)، فجعله الرابع، (وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف)، يعني يوم الحرب، (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، فجعل الربا من السبع الموبقات، يعني المهلكات، ثم قال: (وَإِنْ تُبْتُمْ) يعني من الربا (فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يعني لهم رأس المال فقط، وهو المبلغ الذي بيعت به السلعة إلى أجل، الزيادة تبطل، فإذا كان باع المطية أو السيارة إلى رمضان مثلاً من عام 1411هـ بألف ريال، بعشرة آلاف بخمسين ألف ريال، ثم حل الثمن فإنه يأخذ رأس المال فقط ولا يطلب زيادة، وإن أعسر يُنظره، ولهذا قال: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة)، إذا جاء رمضان، قال أنا ما عندي أنا معسر، وثبت إعساره فإنه يمهل بدون زيادة، ولا يأخذ ربا، هذا هو معنى قوله جل وعلا: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) أي إذا تبتم من الربا فلكم رؤوس أموالكم التي عند الناس، ما بعد قبضتموها (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)، يقبض رأس المال، ويترك الربا الزيادة، وإن كان قد قبض رأس المال وبقيت الزيادة يترك الزيادة أفضل له، (لا تَظْلِمُونَ) بأخذ الزيادة، (وَلا تُظْلَمُونَ) بمنعكم من رأس المال، لكم رأس المال، فأنت لا تُظلم بمنعك من رأس مالك، لا، تعطى رأس مالك، وليس لك أن تَظلم أخاك بأخذ الربا، بل لك رأس المال فقط، فإن كان المدين معسراً عاجزاً بالبينة الشرعية فإنه يمهل ولا يطالب بالزيادة، لقوله سبحانه: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) سورة البقرة، إن تصدق عليه وأبرأه فجزاه الله خيراً، هذا طيب، وإلا فالواجب الإنظار إلى ميسرة، يقول: أنا أنظرك إلى ميسرة، والواجب على المدين تقوى الله، إن كان صادقاً في الإعسار فعليه تقوى الله ويتسبب حتى يحضر المال، وإن كان كاذباً فقد ظلم أخاه، فليتق الله وليؤد حقه إذا ادعى الإعسار وهو يكذب. فالمقصود أن المدين عليه أن يتقي الله فإن كان صادقاً في الإعسار وجب إمهاله، وإن ثبت أنه مليء وجب أخذ الحق منه، والحاكم ينظر في ذلك ويعتني، وإذا كان صاحب الدين يعلم أنه معسر فلا حاجة إلى المحكمة، يمهله وينظره، حتى يحصل له اليسر، وإن تصدق عليه وسامحه فقد فعل خيراً كثيراً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سرَّه أن ينفِّس الله عنه كربات يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه) (من سره أن ينفس الله عنه كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)، ينفس أي بإنظاره، أو يضع عنه يعني بالصدقة عليه، وفي الحديث الآخر: (من أنظر معسراً أو وضع له أظله الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله)، وهذا فضل عظيم، فينبغي للمؤمن إذا عرف أن أخاه معسر المدين أن ينظره أو يسامحه بالدين كله أو بعضه، يرجو ما عند الله من المثوبة والى رحاب آية اخرى ان شاء الله |
آية اليوم
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ . إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} (سورة ص : آية 21) تلك صورة واضحة للتقويم الإلهي لمسيرة الرسل حين تحيد خطاهم بغير قصد عما رسمه الله من سبيل وقد كانت فتنة اختبر الله بها عبده داوود الملك النبي، بيان هذه الفتنة أن داود عليه السلام كان يخصص بعض وقته للتصرف في شؤون الملك، وللقضاء بين الناس. ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة وترتيل أناشيده تسبيحاً لله في المحراب. وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل إليه أحد حتى يخرج هو إلى الناس.وفي ذات يوم فوجى ء بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليه. ففزع منهم. فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين! فبادرا يطمئنانه. {قالوا : لا تخف. خصمان بغى بعضنا على بعض}. وجئنا للتقاضي أمامك {فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط}، وبدأ أحدهما فعرض خصومته :{إنّ هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة. فقال : أكفلنيها} [أي اجعلها لي وفي ملكي وكفالتي] {وعزني في الخطاب} أي شدد علي في القول وأغلظ. والقضية تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل. ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة؛ ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً، ولم يطلب إليه بياناً، ولم يسمع له حجة. ولكنه مضى يحكم {قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإن كثيراً من الخلطاء [المخالطين بعضهم بعضا] ليبغي بعضهم على بعض. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}. عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء فأدركته طبيعته. ولأنه كان أوابا {استغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب}. |
في رحاب آيه
{اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إن هذا المخلوق الصغير .. الإنسان .. يحظى من رعاية الله - سبحانه - بالقسط الوافر ، الذي يتيح له أن يسخر الخلائق الكونية الهائلة ، وينتفع بها على شتى الوجوه .. والبحر أحد هذه الجبابرة الضخام التي سخرها الله للإنسان .. ( لتجري الفلك فيه بأمره ) .. فهو - سبحانه - الذي خلق البحر بهذه الخصائص ، وخلق مادة الفلك بهذه الخصائص .. وسائر الخصائص الكونية الأخرى مساعدة على أن تجري الفلك في البحر . وهدى الإنسان إلى هذا كله فأمكنه أن ينتفع به ، وأن ينتفع كذلك بالبحر في نواح أخرى : ( ولتبتغوا من فضله ) كالصيد للطعام وللزينة ، وكذلك التجارة والمعرفة والتجربة والرياضة والنزهة ؛ وسائر ما يبتغيه الحي من فضل الله في البحار .. سخر الله للإنسان البحر والفلك ، ليبتغي من فضل الله ؛ وليتجه إليه بالشكر على التفضل والإنعام ، وعلى التسخير والاهتداء : ( ولعلكم تشكرون). |
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك (آية:15)
هذا هو القرآن ينتقل بالناس من الحديث عن ذوات أنفسهم إلى الحديث عن الأرض التي خلقها لهم، وذللها وأودعها أسباب الحياة. والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض. ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة، ويبصرهم بها، في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد وكل جيل بقدر ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول. {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}. والمناكب: المرتفعات، أو الجوانب. وإذا أذن له بالمشي في مناكبها فقد أذن له بالمشي في سهولها وبطاحها من باب أولى. والرزق الذي فيها كله من خلقه، وكله من ملكه، وهو أوسع مدلولا مما يتبادر إلى أذهان الناس من كلمة الرزق. فليس هو المال الذي يجده أحدهم في يده، ليحصل به على حاجياته ومتاعه. إنما هو كل ما أودعه الله هذه الأرض، من أسباب الرزق ومكوناته. {وإليه النشور}. إليه. وإلا فإلى أين إن لم تكن إليه؟ والملك بيده؟ ولا ملجأ منه إلا إليه؟ وهو على كل شيء قدير؟ |
في رحاب آيه
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَب وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَه حُسْنُ الْمَآبِ} يخبر الله تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ ، لأن حب الإنسان للمشتهيات والملذات سبب لهم أن تتزيّن الدنيا في نفوسهم فيطلبون اللذائذ ولو في المحرّمات ، فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد ثم ثنى بحب البنين، فإن حب الأولاد يسبّب إطاعتهم والتحفّظ عليهم ولو بذهاب الدين . ومن الزينة كذلك حب الأموال الكثيرة المجمعة أو المضاعفة البالغة حدا واسعا ،من الذهب والفضة، والخيل الأصيلة المعلمة المميزة ببعض العلامات ، والأنعام من الإبل البقر والغنم والزرع ، فإن هذه كلها محببة للناس ، لكن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ، لا تنفع في الدار الآخرة إلا إذا بذلت في سبيل الله .ثم يختم عز وجل الآية: بأن المرجع الحسن في الآخرة منوط بالله سبحانه فاللازم أن يتزهّد الإنسان في الملذات ولا يتناول المحرّم منها رجاء ثواب الله ونعيمه المقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال، فلا تسبّب هذه المشتهيات والملذات عدول الإنسان عن الحق إلى الباطل وعن الرشاد إلى الضلال. |
فكرة جداً رائعة أن يكون هناك تفسير كل يوم آية أو آيتين ويكون الموضوع تفاعلي من جميع الاعضاء ويستحق التثبيت
|
اقتباس:
وارجو التفاعل من الكل |
( واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ( 8 ) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ( 9 ) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ( 10 ) ) يقول تعالى ذكره : ( واذكر ) يا محمد ( اسم ربك ) فادعه به : ( وتبتل إليه تبتيلا ) يقول : وانقطع إليه انقطاعا لحوائجك وعبادتك دون سائر الأشياء غيره ، وهو من قولهم : تبتلت هذا الأمر; ومنه قيل لأم عيسى ابن مريم البتول ، لانقطاعها إلى الله ، ويقال للعابد المنقطع عن الدنيا وأسبابها إلى عبادة الله : قد تبتل; ومنه الخبر الذي روي [ ص: 688 ] عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه نهى عن التبتل " . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص له إخلاصا . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى ، عن ابن أبي نجيح ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص له إخلاصا . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص له إخلاصا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن مجاهد ، مثله ، إلا أنه قال : أخلص إليه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص إليه إخلاصا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي يحيى المكي ، في قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص إليه إخلاصا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص إليه المسألة والدعاء . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، عن أشعث ، عن الحسن ، في قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : بتل نفسك واجتهد . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) يقول : أخلص له العبادة والدعوة . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، بنحوه . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أخلص إليه إخلاصا . [ ص: 689 ] حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( وتبتل إليه تبتيلا ) قال : أي تفرغ لعبادته ، قال : تبتل ، فحبذا التبتل إلى الله ، وقرأ قول الله : ( فإذا فرغت فانصب ) قال : إذا فرغت من الجهاد فانصب في عبادة الله ( وإلى ربك فارغب ) . وقوله : ( رب المشرق والمغرب ) اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المدينة بالرفع على الابتداء ، إذ كان ابتداء آية بعد أخرى تامة . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بالخفض على وجه النعت ، والرد على الهاء التي في قوله : ( وتبتل إليه ) . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . ومعنى الكلام : رب المشرق والمغرب وما بينهما من العالم . وقوله : ( لا إله إلا هو ) يقول : لا ينبغي أن يعبد إله سوى الله الذي هو رب المشرق والمغرب . وقوله : ( فاتخذه وكيلا ) فيما يأمرك وفوض إليه أسبابك . وقوله : ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : اصبر يا محمد على ما يقول المشركون من قومك لك ، وعلى أذاهم ، واهجرهم في الله هجرا جميلا . والهجر الجميل : هو الهجر في ذات الله ، كما قال عز وجل : ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ) |
بسم الله الرحمن الرحيم ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ( 106 ) ) ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) ( يوم ) نصب على الظرف أي : في يوم ، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول ، يريد : تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين وقيل : تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة . قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه ، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، وهو قوله تعالى : " نوله ما تولى " ( النساء - 115 ) فإذا انتهوا إليه حزنوا فتسود وجوههم من الحزن ، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئا مما رفع لهم فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعا مؤمنا ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود ، ثم يؤذن لهم فيرفعون رءوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضا والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزنا شديدا فاسودت وجوههم فيقولون : ربنا ما لنا مسودة وجوهنا فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة : " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " ( الأنعام - 24 ) . قال أهل المعاني : ابيضاض الوجوه : إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله ، واسودادها : حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله ، يدل عليه قوله تعالى : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة " ( يونس - 26 ) وقال تعالى : " والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة " ( يونس - 27 ) وقال : " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة " ( القيامة 22 - 24 ) وقال " وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة " ( عبس 37 - 40 ) . ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ) معناه : يقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم؟ ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) [ ص: 88 ] فإن قيل : كيف قال : أكفرتم بعد إيمانكم وهم لم يكونوا مؤمنين؟ حكي عن أبي بن كعب أنه أراد به : الإيمان يوم الميثاق ، حين قال لهم : ألست بربكم؟ قالوا : بلى يقول : أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن : هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم ، وأنكروا بقلوبهم . وعن عكرمة : أنهم أهل الكتاب ، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به . وقال قوم : هم من أهل قبلتنا ، وقال أبو أمامة : هم الخوارج ، وقال قتادة : هم أهل البدع . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا سعيد بن أبي مريم ، عن نافع بن عمر ، حدثني ابن أبي مليكة ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني فرطكم على الحوض حتى أنظر من يرد علي منكم وسيؤخذ ناس دوني فأقول : يا رب مني ومن أمتي . فيقال لي : هل شعرت بما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم " . . وقال الحارث الأعور : سمعت عليا رضي الله عنه على المنبر يقول : إن الرجل ليخرج من أهله فما يئوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به الجنة وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار ثم قرأ ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ) الآية ثم نادى : هم الذين كفروا بعد الإيمان - ورب الكعبة . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع دينه بعرض من الدنيا " . تفسير البغوي والى رحاب آية اخرى ان شاء الله |
{75} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى يَا مُحَمَّد الْمَلَائِكَة مُحَدِّقِينَ مِنْ حَوْل عَرْش الرَّحْمَن , وَيَعْنِي بِالْعَرْشِ : السَّرِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23324 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } مُحَدِّقِينَ . 23325 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } قَالَ : مُحَدِّقِينَ حَوْل الْعَرْش , قَالَ : الْعَرْش : السَّرِير. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول " مِنْ " فِي قَوْله : { حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } وَالْمَعْنَى : حَافِّينَ حَوْل الْعَرْش . وَفِي قَوْله : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلك لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُدْخِلَتْ " مِنْ " فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ تَوْكِيدًا , وَاَللَّه أَعْلَم , كَقَوْلِك : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد ; وَقَالَ غَيْره : قَبْل وَحَوْل وَمَا أَشْبَهَهُمَا ظُرُوف تَدْخُل فِيهَا " مِنْ " وَتَخْرُج , نَحْو : أَتَيْتُك قَبْل زَيْد , وَمِنْ قَبْل زَيْد , وَطُفْنَا حَوْلك وَمِنْ حَوْلك , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ نَوْع : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد , لِأَنَّ مَوْضِع " مِنْ " فِي قَوْلهمْ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد رَفْع , وَهُوَ اِسْم . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ " مِنْ " فِي هَذِهِ الْأَمَاكِن , أَعْنِي فِي قَوْله { مِنْ حَوْل الْعَرْش } وَمِنْ قَبْلك , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى الظُّرُوف فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّوْكِيد . وَقَوْله : { وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ } يَقُول : وَقَضَى اللَّه بَيْن النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ , وَالشُّهَدَاء وَأُمَمهَا بِالْعَدْلِ , فَأَسْكَنَ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُله الْجَنَّة . وَأَهْل الْكُفْر بِهِ , وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ رُسُله النَّار . { وَقِيلَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : وَخُتِمَتْ خَاتِمَة الْقَضَاء بَيْنهمْ بِالشُّكْرِ لِلَّذِي اِبْتَدَأَ خَلْقهمْ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّة , وَمُلْك جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ الْخَلْق مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَصْنَاف الْخَلْق . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 23326 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ } الْآيَة , كُلّهَا قَالَ : فَتَحَ أَوَّل الْخَلْق بِالْحَمْدِ لِلَّهِ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَخَتَمَ بِالْحَمْدِ فَقَالَ : { وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } آخِر تَفْسِير سُورَة الزُّمَر تفسير الطبري |
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً [مريم:71] (وَإِنْ مِنْكُمْ) قسم من الله، (إِلَّا وَارِدُهَا) اختلف العلماء قديماً وحديثاً في معنى الورود المقصود في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: القول الأول: الورود بطرف النار، كما يقال: أورد الإبل الحوض. والقول الثاني: المرور على الصراط من فوق النار. والقول الثالث وهو لا ينافي الثاني: الدخول في النار؛ لأن المرور على الصراط هو دخول في النار. فقوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] أي: داخلها، لا فرق بين مؤمن وكافر، كلهم من الإنس والجن لا بد لهم من هذا الدخول، لكن بعد أن يتحقق هذا القسم الإلهي من الدخول هناك، بعد ذلك سرعان ما يتميز الصالح من الطالح، فالصالح يدخل الجنة، والطالح يدخل النار. ويفسر هذا الكلام حديث أذكره لما فيه من بيان وتفصيل، لكن لا بد لي من أن أقرن بذلك أن هذا الحديث لم يصح من حيث إسناده؛ لأنه على شهرته ينبغي أن نذكره تنبيهاً على ضعفه، لكن معناه مقبول في حدود ما جاء من الأدلة. ذلك الحديث يرويه بعض التابعين من المجهولين -وهو العلة- عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه لقيه في طريقه فقال: (كنا في مجلس ذكرت فيه هذه الآية: (( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ))[مريم:71] قال: فاختلفنا -وذكر الأقوال الثلاثة- فما كان من جابر -كما تقول الرواية على ضعفها- إلا أن وضع إصبعيه في أذنيه وقال: صُمَّتا صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا ويدخلها، ثم تكون برداً وسلاماً على المؤمنين، كما كانت على إبراهيم). إذاً: هذا الدخول المذكور في هذه الآية، والمفسر أيضاً في حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا يدخل النار أحد من أهل بدر وأصحاب الشجرة، قالت: كيف هذا يا رسول الله! والله عز وجل يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]؟ ) وهنا ملاحظة مهمة من حيث أنها تساعد طالب العلم على فهم النصوص الشرعية: نجد هنا السيدة حفصة رضي الله عنها كأنها تريد أن تقول: إن الذي تقوله يا رسول الله! خلاف ما أفهم من الآية، فالآية: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] ولفظة (منكم) تشمل بلا شك أهل بدر وأصحاب الشجرة، فكيف التوفيق بين هذه الآية حسب فهمي، -أي: حفصة - وبين ما تقوله يا رسول الله؟! فقال لها بكل هدوء ولطف كما هو شأنه عليه السلام وديدنه: (فاقرئي ما بعدها: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً [مريم:72] ) ما هي الفائدة؟ الفائدة: أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع قولاً ولم ينكره؛ كان ذلك دليلاً على صحته في نفسه، ولكن يمكن أن يدخل فيه تخصيص وتقييد لا يخطر على بال المتكلم بتلك الكلمة. وهذه فائدة مهمة جداً قد يغفل عنها بعض أهل العلم، ولا بأس من أن أضرب لكم مثلاً وقع في عدم الانتباه لهذه النكتة الفقهية الدقيقة.. فالإمام أبو محمد بن حزم صاحب الكتاب العظيم كتاب المحلى، وكتاب الإحكام في أصول الأحكام، وغيره من الكتب، قد ألف رسالة في إباحة الملاهي عامة من الآلات الموسيقية، والأغاني، وما شابه ذلك، وكان مما استدل به على ما ذهب إليه في تلك الرسالة، الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليَّ يوم عيد وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، وتضربان عليه بدف، ولما دخل أبو بكر قال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! -وهذا استفهام استنكاري- فقال صلى الله عليه وسلم: دعهما، فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا). الشاهد: أن الإمام ابن حزم احتج بهذا الحديث على جواز الضرب بالدف والغناء به؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أقر الجاريتين على ذلك، ولكن فاته ما أردت التنبيه عليه، من أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أبا بكر الصديق على قوله السالف الذكر: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟!) فقد سمى أبو بكر الضرب على الدف والغناء به، سماه مزمار الشيطان، ولم ينكر الرسول عليه الصلاة والسلام عليه، بل أقره، كما أقر حفصة على قولها في الآية هكذا، وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل على استدلال حفصة قيداً كانت غافلة عنه، كذلك تماماً فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صاحبه في الغار أبي بكر الصديق، فلفت نظره كأنه يقول له: إن الأمر كما تقول أنت يا أبا بكر! لكن هنا استثناء قد فاتك: (دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا). فإذا نحن جمعنا بين إقرار الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لـأبي بكر على قوله: (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، وبين قوله له: (دعهما، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا) فإننا نخرج بنتيجة: أن مزامير الشيطان لا تجوز، ويكفي في النهي عنها النسبة إلى الشيطان. لكن هذا الحكم يستثنى منه الضرب بالدف في يوم العيد، وممن؟ من الجاريتين، فجمعنا بين إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر ؛ وبين قوله له، وخرجنا بنتيجة معاكسة تماماً للنتيجة التي ذهب إليها أبو محمد بن حزم رحمه الله، حيث أخذ قول الرسول عليه السلام ولم يتنبه لإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لقول أبي بكر : (أمزمار الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟!). تفسير وما منكم الا واردها للامام الالباني |
{75} وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى يَا مُحَمَّد الْمَلَائِكَة مُحَدِّقِينَ مِنْ حَوْل عَرْش الرَّحْمَن , وَيَعْنِي بِالْعَرْشِ : السَّرِير . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23324 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } مُحَدِّقِينَ . 23325 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَتَرَى الْمَلَائِكَة حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } قَالَ : مُحَدِّقِينَ حَوْل الْعَرْش , قَالَ : الْعَرْش : السَّرِير. وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول " مِنْ " فِي قَوْله : { حَافِّينَ مِنْ حَوْل الْعَرْش } وَالْمَعْنَى : حَافِّينَ حَوْل الْعَرْش . وَفِي قَوْله : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْك وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلك لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلك } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُدْخِلَتْ " مِنْ " فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ تَوْكِيدًا , وَاَللَّه أَعْلَم , كَقَوْلِك : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد ; وَقَالَ غَيْره : قَبْل وَحَوْل وَمَا أَشْبَهَهُمَا ظُرُوف تَدْخُل فِيهَا " مِنْ " وَتَخْرُج , نَحْو : أَتَيْتُك قَبْل زَيْد , وَمِنْ قَبْل زَيْد , وَطُفْنَا حَوْلك وَمِنْ حَوْلك , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ نَوْع : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد , لِأَنَّ مَوْضِع " مِنْ " فِي قَوْلهمْ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَد رَفْع , وَهُوَ اِسْم . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ " مِنْ " فِي هَذِهِ الْأَمَاكِن , أَعْنِي فِي قَوْله { مِنْ حَوْل الْعَرْش } وَمِنْ قَبْلك , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَإِنْ كَانَتْ دَخَلَتْ عَلَى الظُّرُوف فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّوْكِيد . وَقَوْله : { وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ } يَقُول : وَقَضَى اللَّه بَيْن النَّبِيِّينَ الَّذِينَ جِيءَ بِهِمْ , وَالشُّهَدَاء وَأُمَمهَا بِالْعَدْلِ , فَأَسْكَنَ أَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُله الْجَنَّة . وَأَهْل الْكُفْر بِهِ , وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ رُسُله النَّار . { وَقِيلَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } يَقُول : وَخُتِمَتْ خَاتِمَة الْقَضَاء بَيْنهمْ بِالشُّكْرِ لِلَّذِي اِبْتَدَأَ خَلْقهمْ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّة , وَمُلْك جَمِيع مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ الْخَلْق مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَصْنَاف الْخَلْق . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 23326 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهمْ } الْآيَة , كُلّهَا قَالَ : فَتَحَ أَوَّل الْخَلْق بِالْحَمْدِ لِلَّهِ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , وَخَتَمَ بِالْحَمْدِ فَقَالَ : { وَقُضِيَ بَيْنهمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } آخِر تَفْسِير سُورَة الزُّمَر تفسير الطبري |
بسم الله الرحمن الرحيم {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} قوله تعالى : " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب " قال الفراء : جعلها كالنعت للمعرفة وهي نكرة . وقال الزجاج : هي خفض على البدل . النحاس : وتحقيق الكلام في هذا وتلخيصه أن ( غافر الذنب وقابل التوب ) يجوز أن يكونا معرفتين على أنهما لما مضى فيكونا نعتين ، ويجوز أن يكونا للمستقبل والحال فيكونات نكرتين ولا يجوز أن يكونا نعتين على هذا ولكن يكون خفضهما على البدل ، وجوز النصب على الحال ، فأما ( شديد العقاب ) فهو نكرة ويكون خفضه على البدل . وقال ابن عباس : ( غافر الذنب ) لمن قال : (لا إله إلا الله ) ( وقابل التوب) ممن قال : (لاإله إلا الله ) ( شديد العقاب ) لمن لم يقل : (لاإله إلا الله ) وقال ثاتب البناني : كنت إلى سرادق مصعب بن الربير في مكان لاتمر فيه الدواب ، قال : فاستفحت " حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " فمر علي رجل على دابة فلما قلت ( غافر الذنب ) قال : بل يا غافر الذنب أغفر لي ذنبي ، فلما قلت : ( قابل التوب ) قال : قل يا قبل التوب تقبل توبتي ، فلما قبلت : ( شديد العقاب ) قال : قل يا شديد العقاب اعف عني ، فما قلت : ( ذي الطول ) قال : قل يا ذا الطول طل علي بخير ، فقمت إليه فأخذ ببصري ، فالتفت يميناً وشمالاً فلم أر شيئاً . ,وقال أهل الإشارة : ( غافر الذنب ) فضلاً ( وقابل التوب ) وعداً ( شديد العقاب ) عدلاً (لاإله إلا هو إليه الصير ) فردا ً . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام ، فقيل له : تتابع في هذا الشراب ، فقال عمر لكاتبه : أكتب من عمر إلى فلان ، سلام عليك ، وأنا أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير " ثم ختم الكتاب وقال لرسوله : لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً ، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة ، فما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول : قد وعدني الله أن يغفر لي ، وحذرني عقابه ، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع فأحسن النزع وحسنت توبته . فلما بلغ عمر أمره قال : هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أحدكم قد زل زلة فسدوه وادعو الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعواناً للشياطين عليه . و( التوب) يجوز أن يكون مصدر تاب يتوب توباً ، ويحتمل أن يكون حمع توبة نحو دومة ودوم عزمة وعزم ، ومنه قوله : فيخبو ساعة ويهب ساعا ويجوز أن يكون التوب بمعنى التوبة . قال أبو العباس : والذي يسبق إلى قلبي أن يكون مصدراً ، أي يقبل هذا الفعبل ، كما تقول قال قولاً ، وإذا كان جمعاً فمعناه يقبل التوبات . " ذي الطول " على البدل وعلى النعت ،لأنه معررفة . وأصل الطول الإنعام والفضل يقال منه : اللهم طل علينا أي أنعم وتفضل . قال ابن عباس : ( ذي طول ) ذي النعم . وقال مجاهد : ذي الغني والسعة ، ومنه قوله تعالى : " ومن لم يستطع منكم طولا " [النساء : 25] أي غني وسعة . وعن ابن عباس أيضاً : ( ذي الطول ) ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله . وقال عكرمة : " ذي الطول " ذي المن . وقال الجوهر ي : والطول بالفتح المن ، يقال منه طال عليه وتطول عليه إذا امتن عليه . وقال محمد بن كعب : ( ذي الطول ) ذي التفضل ، قال الماوردي : والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب والتفضل إحسان غير مستحق . والطول مأخوذ من الطول كأنه طال بإنعامه على غيره وقيل : لأنه طالت مدة إنعامه . " لا إله إلا هو إليه المصير " |
بسم الله الرحمن الرحيم ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( 102 قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن ، عن سفيان وشعبة ، عن زبيد اليامي ، عن مرة ، عن عبد الله - هو ابن مسعود - ( اتقوا الله حق تقاته ) قال : أن يطاع فلا يعصى ، [ ص: 87 ] وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر . وهذا إسناد صحيح موقوف ، [ وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود ] . وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن سفيان الثوري ، عن زبيد ، عن مرة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( اتقوا الله حق تقاته ) أن يطاع فلا يعصى ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى " . وكذا رواه الحاكم في مستدركه ، من حديث مسعر ، عن زبيد ، عن مرة ، عن ابن مسعود ، مرفوعا فذكره . ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . كذا قال . والأظهر أنه موقوف والله أعلم . ثم قال ابن أبي حاتم : وروي نحوه عن مرة الهمداني ، والربيع بن خثيم ، وعمرو بن ميمون ، وإبراهيم النخعي ، وطاوس ، ، والحسن وقتادة ، وأبي سنان ، والسدي ، نحو ذلك . [ وروي عن أنس أنه قال : لا يتقي العبد الله حق تقاته حتى يخزن من لسانه ] . وقد ذهب سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، وزيد بن أسلم ، والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( فاتقوا الله ما استطعتم ) [ التغابن : 16 ] . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( اتقوا الله حق تقاته ) قال : لم تنسخ ، ولكن ( حق تقاته ) أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم . وقوله : ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أي : حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه ، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه ، ومن مات على شيء بعث عليه ، فعياذا بالله من خلاف ذلك . قال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا شعبة قال : سمعت سليمان ، عن مجاهد ، أن الناس كانوا يطوفون بالبيت ، وابن عباس جالس معه محجن ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشتهم فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم " . وهكذا رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، من [ ص: 88 ] طرق عن شعبة ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح . وقال الحاكم : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " . وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " . ورواه مسلم من طريق الأعمش ، به . وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا [ أبو ] يونس ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله قال : أنا عند ظن عبدي بي ، فإن ظن بي خيرا فله ، وإن ظن شرا فله " . وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ عز وجل ] أنا عند ظن عبدي بي " . وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت - وأحسبه - عن أنس قال : كان رجل من الأنصار مريضا ، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فوافقه في السوق فسلم عليه ، فقال له : " كيف أنت يا فلان ؟ " قال بخير يا رسول الله ، أرجو الله ، وأخاف ذنوبي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف " . ثم قال : لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان . وهكذا رواه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه من حديثه ، ثم قال الترمذي : غريب . وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلا . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن [ ص: 89 ] يوسف بن ماهك ، عن حكيم بن حزام قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا أخر إلا قائما . ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة ، به ، وترجم عليه فقال : ( باب كيف يخر للسجود ) ثم ساقه مثله فقيل : معناه : على ألا أموت إلا مسلما ، وقيل : معناه : [ على ] ألا أقتل إلا مقبلا غير مدبر ، وهو يرجع إلى الأول . |
تفسير قول الله سبحانه تعالى من سورة النازعات: ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى))[النازعات:40-41]، وما هي الأمور التي تنهى النفس عن الهوى، وهل يكون عمل المرأة من هذه الأمور التي يجب نهي النفس عنها في حالة عدم احتياج المرأة للعمل مادياً؟ الآية عظيمة ومعناها واضح، يقول سبحانه: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) قبلها قوله سبحانه: (فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ) (النازعات 37-40) يعني خاف مقامه بين يدي الله، فلهذا نهى نفسه عن هواها يعني هواها المحرم، (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (ال) بدل المضاف إليه يعني عن هواها الذي حرم الله عليها، فهذا هو الذي له الجنة والكرامة، فإن النفس قد تميل إلى الزنا قد تميل إلى الخمر قد تميل إلى الربا قد تميل إلى ظلم الناس قد تميل إلى أشياء أخرى مما حرمه الله وتهوى ذلك لأسباب، فإذا وفق الله المؤمن أو المؤمنة لمحاربة هذا الهوى ومخالفته وعدم الانصياع إليه صار هذا من أسباب دخول الجنة، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) يعني خاف وقوفه بين يدي الله فلهذا نهى نفسه عن هواها، يعني زجرها عن هواها، وخالفها وألزمها بالحق وكبح جماحها حتى لا تقع فيما حرم الله من الزنا أو شرب المسكر أو تعاطي الربا أو الغيبة أو النميمة أو العقوق للوالدين أو قطيعة الرحم أو ظلم الناس في أموالهم ودمائهم وأعراضهم إلى غير ذلك، فهذا الذي نهى نفسه عن هواها وألزمها بالحق خوفاً من الله وطلباً لمرضاته له الجنة والكرامة. |
اليوم سأقدم لكم في رحاب صورة وهي الفاتحه فاتحه الكتاب الكريم تفسير سورة الفاتحة مكية وهي سبع ءايات بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيد المرسلين، وعلى ءاله وأصحابه الطيبين الطاهرين. أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيم الاستعاذةُ ليست من القرءانِ إجماعًا، ومعناه: أستجيرُ باللهِ ليحفظني من أذى الشيطانِ وهو المتمرّد الطاغي الكافرُ من الجنّ، والرجيمُ بمعنى المرجومِ وهو البعيد من الخير المطرود المُهان. ويستحبُّ البدءُ بها قبل البدء بقراءة القرءانِ وهو قولُ الجمهور، وقيل: يقرؤها بعد الانتهاءِ من القراءةِ لظاهرِ قوله تعالى :{فإذا قرأتَ القرءانَ فاستعذْ بالله} (سورة النحل/98)، قال الجمهور: التقديرُ إذا أردتَ القراءة فاستعذ، وذلك كحديث :"إذا أكلتَ فسمّ الله" رواهُ الحُميديُّ والطبرانيُّ، أي إذا أردتَ الأكلَ. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)} البسملةُ ءايةٌ من الفاتحةِ عند الإمام الشافعي، ولا تصحُّ الصلاةُ بدونها، وعند مالكٍ وأبي حنيفةَ ليست ءاية من الفاتحة. وقد جرت عادةُ السلف والخلف على تصدير مكاتيبهم بالبسملة وكذلك يفعلون في مؤلفاتهم حيثُ إنها في أول كل سورةٍ سوى براءة. والابتداء بها سُنّة غيرُ واجبة في كلّ أمرٍ له شرف شرعًا سوى ما لم يرِد به ذلك بل ورد فيه غيرُها كالصلاةِ فإنها تبدأ بالتكبير، والدعاءُ فإنّه يبدأ بالحمدلةِ. وما كانَ غير قُربة مما هو محرَّم حرُم ابتداؤُهُ بالبسملةِ فلا يجوزُ البدءُ بها عند شرب الخمرِ بل قالَ بعضُ الحنفيةِ إن بدءَ شربِ الخمر بها كُفر، لكنَّ الصوابَ التفصيلُ وهو أن يقالَ من كان يقصُد بها التبرك في شرب الخمرِ كفَر، وإن كان القصدُ السلامة من ضررها فهو حرام وليس كفرًا، والبدء بالبسملةِ عند المكروهِ مكروهٌ. ويقدَّر متعلق الجار والمجرور فعلاً أو اسمًا فالفعل كأبدأ والاسمُ كابتدائي. وكلمة "الله" علَم على الذات الواجبِ الوجود المستحقّ لجميع المحامد، وهوَ غير مشتقّ. {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} الحمدُ: هو الثناءُ باللسانِ على الجميل الاختياريّ، والحمدُ للهِ هو الثناءُ على اللهِ بما هو أهله لإنعامهِ وإفضاله وهو مالكُ العالمين، والعالَم هو كل ما سوى اللهِ، سُمّي عالَمًا لأنّه علامةٌ على وجودِ اللهِ. {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} الرحمنُ من الأسماءِ الخاصّة بالله ومعناهُ أن الله شملت رحمتُه المؤمنَ والكافرَ في الدنيا وهو الذي يرحم المؤمنين فقط في الآخرة، قال تعالى :{ورحمتي وسِعت كلّ شىء فسأكتبُها للذينَ يتقون} (سورة الأعراف/156)، والرحيمُ هو الذي يرحمُ المؤمنينَ قال الله تعالى :{وكان بالمؤمنينَ رحيمًا} (سورة الأحزاب/43)، والرحمنُ أبلغُ من الرحيمِ لأن الزيادةَ في البناءِ تدلّ على الزيادةِ في المعنى. {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)} أي أن اللهَ هو المالكُ وهو المتصرّف في المخلوقاتِ كيف يشاء، ويومُ الدين هو يوم الجزاء، فاللهُ مالكٌ للدنيا والآخرة، إنما قال: مالك يوم الدين إعظامًا ليوم الجزاءِ لشدّة ما يحصُل فيه من أهوالٍ. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} أي أن اللهَ تعالى وحدَه هو المستحقّ أن يُتذلل له نهاية التذلل، وهو الذي يُطلبُ منه العون على فعلِ الخير ودوام الهداية لأن القلوبَ بيده تعالى. وتفيدُ الآية أنه يُستعان بالله الاستعانة الخاصة، أي أن الله يخلُق للعبدِ ما ينفعه من أسباب المعيشةِ وما يقوم عليه أمرُ المعيشة، وليس المعنى أنه لا يُستعان بغير اللهِ مطلقَ الاستعانة، بدليلِ ما جاءِ في الحديثِ الذي رواه الترمذي :"واللهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيه". {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)} أي أكرمْنا باستدامةِ الهداية على الإسلام. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ (7)} أي دينَ الذين أكرمتَهم من النبيينَ والملائكةِ وهو الإسلام. {غَيْرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِمْ} وهمُ اليهود {وَلاَ الضَّآلِّينَ (7)} وهم النصارى. وءامين ليست من القرءان إجماعًا، ومعناها اللهمّ استجبْ. ويسن قولها عقب الفاتحة في الصلاةِ، وقد جاءَ في الحديثِ الذي رواهُ البخاريّ وأصحاب السنن:"إذا قالَ الإمامُ {غير المغضوبِ عليهم ولا الضالين} فقولوا ءامين"، واللهُ أعلمُ. والى رحاب آية اخرى ان شاء الله |
فكرة جداً رائعة أن يكون هناك تفسير كل يوم آية أو آيتين ويكون الموضوع تفاعلي من جميع الاعضاء
|
في رحاب آيه
{اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إن هذا المخلوق الصغير .. الإنسان .. يحظى من رعاية الله - سبحانه - بالقسط الوافر ، الذي يتيح له أن يسخر الخلائق الكونية الهائلة ، وينتفع بها على شتى الوجوه .. والبحر أحد هذه الجبابرة الضخام التي سخرها الله للإنسان .. ( لتجري الفلك فيه بأمره ) .. فهو - سبحانه - الذي خلق البحر بهذه الخصائص ، وخلق مادة الفلك بهذه الخصائص .. وسائر الخصائص الكونية الأخرى مساعدة على أن تجري الفلك في البحر . وهدى الإنسان إلى هذا كله فأمكنه أن ينتفع به ، وأن ينتفع كذلك بالبحر في نواح أخرى : ( ولتبتغوا من فضله ) كالصيد للطعام وللزينة ، وكذلك التجارة والمعرفة والتجربة والرياضة والنزهة ؛ وسائر ما يبتغيه الحي من فضل الله في البحار .. سخر الله للإنسان البحر والفلك ، ليبتغي من فضل الله ؛ وليتجه إليه بالشكر على التفضل والإنعام ، وعلى التسخير والاهتداء : ( ولعلكم تشكرون). |
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} الملك (آية:15)
هذا هو القرآن ينتقل بالناس من الحديث عن ذوات أنفسهم إلى الحديث عن الأرض التي خلقها لهم، وذللها وأودعها أسباب الحياة. والناس لطول ألفتهم لحياتهم على هذه الأرض. ينسون نعمة الله في تذليلها لهم وتسخيرها. والقرآن يذكرهم هذه النعمة الهائلة، ويبصرهم بها، في هذا التعبير الذي يدرك منه كل أحد وكل جيل بقدر ما ينكشف له من علم هذه الأرض الذلول. {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه}. والمناكب: المرتفعات، أو الجوانب. وإذا أذن له بالمشي في مناكبها فقد أذن له بالمشي في سهولها وبطاحها من باب أولى. والرزق الذي فيها كله من خلقه، وكله من ملكه، وهو أوسع مدلولا مما يتبادر إلى أذهان الناس من كلمة الرزق. فليس هو المال الذي يجده أحدهم في يده، ليحصل به على حاجياته ومتاعه. إنما هو كل ما أودعه الله هذه الأرض، من أسباب الرزق ومكوناته. {وإليه النشور}. إليه. وإلا فإلى أين إن لم تكن إليه؟ والملك بيده؟ ولا ملجأ منه إلا إليه؟ وهو على كل شيء قدير؟ |
يقول الله عز وجل في سورة الواقعه
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) صدق الله العظيم اخواني : قال العلماء الحديثين في تفسير هذه الايه ان بها من الاعجاز والدقه ما لا يعلمه الا الله وربما اقترب من هذا عالم فلك او فيزياء وحتى نفهم ما وراءها من الاعجاز يجب ان نعود الى تلك العلوم حتى نفهم اولا كيف تحدث الرؤيا للأشياء ومنها النجوم فنحن لكي نرى شمسا او قمرا او نجما في الكون فأنه حتى تتحقق هذه الرؤيا يجب كشرط لتحقيقها ان يقع شعاع معين كان قد انطلق من هذه النجوم او الشموس فتستقبله العين بأجزائها وبعدها تحدث الرؤيا وبالتالي فلن تحدث الرؤيا لتلك النجوم بدون عملية الانطلاق للاشعه وبعدها سقوط هذه الاشعه على العين وبين عملية الانطلاق للاشعه وبين سقوطها على العين يمر فتره من الزمن تختلف هذه الفتره باختلاف بعد هذه النجوم عنا فلكي نرى الشمس صباحا يستغرق شعاعها حوالي ثماني دقائق ولكن هناك من النجوم ما يستغرق شعاعها سنين طويله لكي يصل الينا وعندها تتم رؤية تلك النجوم وبالتالي فربما ان هناك نجما في الفضاء ونحن لا نراه بسبب عدم وصول شعاعه بعد وكذلك فأن النجم الذي نراه ربما استغرق مئات السنين حتى نراه وبالتالي فمن الطبيعي ان يكون قد تحرك من موقعه الذي رأيناه عندما ارسل ذلك الشعاع سبحان الله : ان ما نراه اثر ذلك النجم او موقعه عند انطلاق الشعاع وليس النجم نفسه فعندما نرى النجم فاننا نرى موقعه ويكون هو تحرك الى منطقه اخرى وربما اننا نرى نجما قد اندثر وانتهى وتفجر بالفضاء اي انه غير قائم عندما نرى شعاعه وبالتالي فان ما نراه هو فقط اثره او موقعه عند انطلاق شعاعه فسبحان العليم الخبير .....وكم انت ايها الانسان قصير النظير قليل المعرفه انك تتخيل انك ترى النجم واذا بك لا تعلم اين هو سبحان من يعلم ولا نعلم سبحان من احاط علمه كل شيئ قال تعالى ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) صدق الله العظيم والى رحاب آية اخرى ان شاء الله |
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لو اردنا التفكر في هذه الايه وادراك معنى وحدود وكيفية نور الله عز وجل لطلبنا المحال ولدخلنا في طريق عبثي ربما كان له اول ولكنه ليس له اخر ونور الله كصفاته لان من اسمائه الحسنى النور سبحانه في علاه ...هذه الصفات لا تصل اليها العقول ولا تدركها المدارك .......وقد امرنا عز وجل ان نتفكر في صفاته وليس في ذاته حتى لا نهلك حاشى لله ان نزيد على كلامه في وصف نوره ولكني ساتطرق الى موضوع يخص هذه الايه والايتين التي بعدها فقد سمعت في احدى الحلقات او الدروس ولا اذكر صاحبها ما اثلج صدري ومن باب الخوف من كتم العلم حتى لا نلجم بلجام من نار يوم القيامه جاء في تلك المحاضره : ان الله سبحانه وتعالى تحدث في هذه الايه عن نوره وما اجمل ما وصف به نوره عز وجل وجاء هذا الوصف بكلمات واشياء موجوده وتدركها عقول البشر المحدوده ولكن اين نجد هذا النور العظيم يقول المحاضر ان من افضل انواع القراءه للقرآن هو الطريقه التي فيها تدبر والتدبر تأتي من الدبر اي الاخر بمعنى محاولة ربط الاول وبالاخر او ربط الايات ببعضها وبالتالي فلو نظرنا الى الايه التي تليها لوجدنا هذا التوجيه العظيم والذي يدلنا اين نجد ذلك النور ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) يا الله ما اروع هذا لقد جاءت الايه مباشرة بعد الحديث عن النور وكيفيته لتدلنا اين نجده في تلك البيوت بيوت الله التي يذكر فيها اسمه .........اي انك تجد اعظم النور الرباني في تلك المساجد والحديث عن المساجد والصلاه فيها والسعي لها يطول وليس في مجال بحثنا وبعدها اخي القارئ تأتي الايه التي بعدها لتضع التساؤل التالي من هم اصحاب هذا النور والاحرص على نيله والاجدر به انهم من قال فيهم في الايه التي بعدها رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ نعم انهم هؤلاء الرجال الذين تركوا الدنيا وراء ظهورهم ولا يحرصون على تجارتهم ولا على بيعهم اكثر من حرصهم على ذكر الله (الا بذكر الله تطمئن القلوب ) فسبحان الله كيف جاء هذا التسلسل وهذا السياق الجميل وكأنه النور يتسرب من خلال المساجد ليصل الى من هم جديرين به الذين سعوا الى ذكر اذا ما نودي للصلاه وقد تابعت القراءه لاجد بالايه التي بعدها سبب تركهم للدنيا والسعي للمساجد لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ نعم هؤلاء الناس اصحاب النور الذين تركوا الدنيا وهبوا الى المساجد فقط لنيل احسن الجزاء ولنيل الفضل وايضا الرزق وكأن الايه تقول انك يا من تركت الرزق من اجلي ان الفضل هنا واني انا الله ارزق من أشاء فحتى هناك ذكر لهم الرزق ليقول لهم ان رزقكم مكفول مكفول مكفول فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ اخي القارئ اذكر نفسي واذكرك بان الرزاق هو الله وأن صاحب الفضل هو الله وان من يتوكل على الله فهو حسبه ويرزقه كما يرزق الطير فلا ينقص حظك الذهاب الى المساجد فوالله لو تركنا الدنيا وراء ظهورنا لوجدناها امامنا وأنكم لن تأخذوا الا ما قسم الله لكم ولوكان بعضكم لبعض ظهيرا اللهم يا نور يا نور الانوار يا نور السماوات والارض اجعل لنا نورا واجعلنا بفضلك من اصحاب النور والساعين الى النور واجعلنا يا ربنا ممن قلت فيهم (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )انك على ما تشاء قدير وان شاء الله سنحلق معا في رحاب آيه اخرى وربما تكون عن اصحاب النور يوم القيامه الذين يسعى نورهم بين ايديهم |
| الساعة الآن 02:47 AM. |
Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2011, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2011-2012